العمل في مجال الأمن من أخطر أنواع العمل لتعلقه بأمن وراحة الناس وحرياتهم وسلامتهم

ولكل مهنة من المهن الإنسانية, مجموعة “أخلاقيات وضوابط أو آداب مهنية”, قد تكون مُدوَّنة على شكل أداة تشريعية (قانون أو نظم أو تعليمات), أو قد تكون متعارفا عليها عرفاً متوارثاً عبر السنين, فللطب مثلا, وللمحاماة, وللصحافة, وغيرها من المهن, آداب مهنية وأخلاقيات وتقاليد وآداب تحكمها نصوص القوانين, وكذلك الأعراف المتوارثة, وخاصة تلك المهن التي يتمتع أصحابها بنفوذ فعلي وصلاحيات واسعة, ويمارسون عملهم بعيداً عن أية رقابة.

كما أن الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان بمختلف تفرعاتها, والاتفاقيات الدولية المنبثقة عنها قد أثرت أخلاقيات وقواعد عمل مهنة الأمن بمزيد من القواعد الضبطية, ومحددات العمل, وضوابط التصرف بما يؤمن احترام آدمية الإنسان والتقيد بقواعد الحد الأدنى من السلوك المطلوب في التعامل مع الناس: مهما كانت صفاتهم: متهمين أو مجرمين أو سجناء أو شهود أو مشتكين أو حتى عابري سبيل!

إن العمل الأمني من أخطر أنواع العمل في العالم بأسره , لتعلقه بأمن وراحة وسكينة الناس وحرياتهم وأمنهم وسلامتهم. ولأن العمل الأمني هو نوع من الولاية التي تخول صاحبها صلاحيات واسعة, فلابد من توافر شروط ومواصفات فيه تؤهله للقيام بالمهام المنوطة به. فضلا عن القدرة العقلية والجسدية, والخبرة المهنية. إن الصفات المهنية لرجل الأمن تعد أمرا ضروريا وأساسيا يجب توفره في الفرد العامل في مهنة الأمن التي هي أخطر المهن وأهمها, وهناك جملة من الصفات الأساسية التي يجب أخذها بعين الاعتبار من خلال الأنتقاء والأعداد والتأهيل.

إن الحديث عن أخلاقيات ممارسة العمل الأمني يستدعى منا الإشارة إلى خصوصية العمل , فالأمن كأداة وتنظيم عمل هي أشبه بالمدرسة والتي لا تقارن بأي مهنة أخرى . فالحديث عن أخلاقيات العمل الأمني يتطلب أيضاً الإشارة إلى بُعد الثقافة المهنية لرجل الأمن, والصفات المفترض وجودها لدى رجال الأمن تحدد فعلاً المجال أو البرهان المشترك الذي يتعلق بتنوع وتمايز المجموعة الأمنية, وانطلاقاً من هذا الرأي يبرز بعدان مهمان وهما: العلاقة بالقانون في مستويين متعارضين أي القانون كواجب وإطار مفروض والقانون كقيمة, والتساؤل عما إذا كان القانون يحد من الفاعلية ودور الفاعلية في حماية القانون, وعلاقة ذلك كله بالتدقيق المهني لرجال الأمن.

ومن خلال استعراض أبرز الأدبيات العالمية والعربية والنصوص الأتفاقية يمكننا أن نلخص أهم هذه المبادئ والصفات بالآتي:

1. الاخلاص والولاء, والطاعة وتنفيذ الأوامر الصادرة إليه من مراجعه وفق القانون.

2. الاستقامة والعدالة, وكلاهما معنى واحد فالعدالة تعني الاستقامة على طريق الحق من خلال إجتناب الممنوعات. ولما كانت العدالة نسبية يتفاوت فيها الناس فيلزم انتقاء رجال الأمن من بين أكثر الناس استقامة وعدلا.

3. التحلي بالوقار وعزة النفس في كل الظروف, مع التمسك بالصبر على صعوبات العمل وارهاق المهمات, وعدم الشعور بالضجر والملل.

4. عدم التمييز في معاملة الأشخاص أياً كانت جنسياتهم وأصولهم وظروفهم الاجتماعية ومعتقداتهم السياسية والدينية.

5. الحزم والضبط والاتقان والصرامة, والمضي بالعمل الأمني باتقان من غير تقصير ولا محاباة, بما يحمل الناس على احترامه ومهابته, وفي الوقت نفسه لابد لرجل الأمن أن يتصف بالرفق ولين القول وطلاقة الوجه والأبتعاد عن الفضاضة والغلظة.

6. خدمة الناس بأن يكرس رجل الأمن نفسه لخدمة الانسان قبل كل شئ, وعند خدمة الجمهور يجب إتباع اللياقة وحسن الاستقبال في مراكز الأمن, والاحترام المطلق للناس.

7. حظر جميع أنواع التعسف والتعذيب والإهانة وكل أشكال العنف, ومراعاة حقوق الموقوفين والمحتجزين وأن يعتبر نفسه مسؤولا عن الموقوف وعن حمايته, والالتزام بالمبادئ والمواثيق التي تتعلق بالحقوق الإنسانية الثابتة.

8. أن يكون رجل الأمن ورعاً في تصرفاته, والورع هي ملكة في النفس تحمل صاحبها على اجتناب الشبهات.

9. التدخل لتقديم العون والمساعدة لمن يحتاجها حتى وإن كان رجل الأمن خارج أوقات العمل, وعلى رجل الأمن تقديم المساعدة ومنع الأعمال المنافية للنظام العام والتي تلحق الضرر بالأشخاص أو الممتلكات حتى ولو كان في أوقات إجازته أو كان خارج أوقات الدوام.

10. الصدق في القول والعمل, وهو أمر لازم لنجاح رجل الأمن. كما يجب أن يتحلى بالأمانة والحفاظ على حقوق الناس وأملاكهم وأماناتهم. كما يجب أن يتحلى بالعفة, وهي الكف عما لا يحل ولا يجوز. وحيث أن طبيعة العمل الأمني تتضمن التعرف على أحوال الناس ومراقبتهم في أسواقهم, ومحلات عملهم, وهذا يتتبع الاطلاع على الأموال والأحوال الخاصة للناس, فلابد من العفة لرجل الأمن.

11. يجب أن يكون استخدام قوة السلاح عند الضرورة القصوى, ووفق ما يجيزه القانون وما يتفق والهدف المقصود.

12. يتعين على رجل الأمن مراعاة قواعد الفطنة والحفاظ على السرية المهنية, لذلك ينبغي لرجل الأمن حفظ ما لديه من أسرار ومعلومات وبخاصة ما يتصل منها بخصوصيات الناس.

13. حسن المظهر والهندام لأنهما لازمتان لكسب احترام الناس.

14. يجب تعليم هذه المبادئ في مدارس ومعاهد وكليات الأمن والحقوق ثم التذكير بها باستمرار من خلال الإعداد الدائم.. أما تنفيذها في مراكز الأمن فيقع على عاتق رؤساء تلك الأقسام والآمرين والمفتشين.

ومن اجل ترجمة حقيقية لهذه المثل والمبادئ وطالما نحن بصدد البحث في أخلاقيات ومثل وقواعد سلوك رجال الأمن فإننا نختم بعدد من التوصيات والمقترحات نضعها أمام المسؤولين عن اعداد وتأهيل رجال الأمن , لأن الألتزام بقواعد الأخلاقيات المهنية شرط لازم لكسب ثقة الجمهور ونجاح رجل الأمن في أداء مسؤولياته القانونية والاجتماعية:

1- العناية في انتقاء العاملين في المجالات الأمنية وبخاصة ذات الصلة المباشرة بالناس, ومراعاة توافر المواصفات السلوكية والأخلاقية والنفسية.

2- الاهتمام بتقنين أخلاقيات مهنة الأمن وفق ضوابط وأدوات تشريعية وتنظيمية ملزمة مع وضع الجزاءات على منتهكيها.

3- الاهتمام بتثقيف رجال الأمن بالعلوم والمعارف القانونية والسلوكية, ومبادئ وأسس العلاقات العامة وكيفية كسب ثقة الناس ومحبتهم.

4- حث الضباط القادة ان يكونوا قدوة حسنة لتابعيهم, إذ لا قيمة للتوجيهات والأوامر والضوابط إن كانت تخرق من قبل الآمرين, وخير النماذج المؤثرة هي القدوات الصالحة.

5- الاهتمام من خلال الدورات التأهيلية والندوات والبرامج لتطوير المهارات السلوكية لرجال الأمن, وإجراء الفحوصات والاختبارات للتيقن من مدى إتقانها وسلوكها.

6- الاهتمام بالمراقبة والمتابعة والتفتيش وملاحظة تصرفات العاملين والعمل على تقويم السلوك غير المنضبط, وتطوير صيغ المراقبة, وفسح المجال لتلقي شكاوى المواطنين وملاحظات الإعلام أزاء التصرفات السلبية من لدن رجال الأمن.

7- تطوير أساليب الترغيب والترهيب والحث على السلوك القويم من خلال المكافأة للمجدين والمحاسبة للمقصرين في الأداء, فالجيدون لابد أن يثابوا ويكافأوا وينشر هذا التكريم, وكذا المتقاعسون والمقصرون يحاسبون ويوجهون مع تعميم تلك العقوبات لتكون عبرة وعظة ودروسا للغير.

8- الأهتمام بالجانب الروحي في الأعمال الأمنية, وذلك من خلال تعيين المرشدين والوعاظ للتوعية والإرشاد وإلقاء الدروس والمحاضرات التوجيهية, وضرورة ربط رجل الأمن بمخافة الله واستشعار رقابته عز وجل والخوف من حسابه.